## سحر الكلمات المنقوشة: كيف تنسج القراءة نسيج حياتنا في "محبة الكتب" للوسي مانغان
**مقدمة في حضرة الكتاب الرفيق**
في عالم يموج بالتحولات الرقمية السريعة وتدفق
المعلومات اللحظي، يظل الكتاب، بشكله المادي أو الرقمي، ملاذاً فريداً ورفيقاً
صامتاً قادراً على تشكيل وعينا وتجاربنا بطرق لا تضاهى.
![]() |
## سحر الكلمات المنقوشة: كيف تنسج القراءة نسيج حياتنا في "محبة الكتب" للوسي مانغان |
إن فعل القراءة ليس مجرد
استقبال للمعلومات، بل هو حوار عميق مع الذات ومع عوالم أخرى، رحلة استكشافية
تتجاوز حدود الزمان والمكان. في هذا السياق، يأتي كتاب الصحفية والناقدة
البريطانية المرموقة لوسي مانغان، "محبة الكتب: كيف تشكل القراءة حياتنا" (Bookish:
How Reading Shapes Our Lives)، ليقدم احتفاءً حميماً وشخصياً بهذا الفعل الجوهري، مستكشفاً
الأثر العميق والدائم للكلمة المكتوبة على مسار حياتها وحيواتنا جميعاً.
- (Bookworm: A Childhood Memoir)، حيث تنتقل مانغان من استكشاف علاقتها المبكرة
- بالكتب في سنوات الطفولة، لتغوص في تعقيدات وتطورات هذه العلاقة خلال مراحل المراهقة
- والنضج وما بعدها. لا تقدم مانغان مجرد سردٍ لسيرتها القرائية، بل تحلل بذكاء وحساسية كيف
- تتشابك القراءة مع هويتنا، وعلاقاتنا، وتصوراتنا للعالم، وحتى مع آليات تأقلمنا مع تحديات الحياة
- المختلفة. إنها دعوة مفتوحة لكل محب للكتب للتأمل في رحلته الخاصة، وتقدير الدور الذي لعبته
- الروايات والقصص والأشعار في نحت ملامح شخصيته وتجربته الإنسانية
**المراهقة بين دفتي كتاب البحث عن الهوية في عالم محدود الخيارات**
تنطلق مانغان في استكشافها من مرحلة المراهقة، وهي فترة غالباً ما تكون مشحونة بالتقلبات والبحث المحموم عن الذات والمكانة الاجتماعية. ترسم صورة حية لبريطانيا في ثمانينيات القرن الماضي، حيث كانت الخيارات المتاحة أمام الفتيات المراهقات تبدو محدودة ومقولبة بشكل صارم.
- تشير بلمسة من السخرية الذاتية إلى الانقسام الحاد الذي شعرت به: إما الانضمام إلى "فئة البلهاوات"،
- اللاتي يركزن على المظهر الخارجي والسعي لجذب انتباه الفتيان عبر تبني صورة نمطية للأنوثة
- الخاضعة، أو الانتماء إلى "فئة غريبات الأطوار"، وهو التصنيف الذي غالباً ما كانت تُدمغ به الفتيات
- المحبات للقراءة، المنغمسات في
عوالمهن الخاصة، واللواتي يعانين من "سنوات المراهقة المحرجة لمحبات القراءة".
الشغوف بالكتب. تصبح القراءة في هذا السياق ليست مجرد هواية، بل هي آلية دفاع، ومساحة آمنة، ونافذة على عوالم أرحب وأكثر تفهماً من الواقع الاجتماعي الضيق. الكتب تقدم نماذج بديلة، وأفكاراً مختلفة، وشخصيات يمكن للمراهق أن يجد فيها صدى لمشاعره وتساؤلاته الداخلية، بعيداً عن ضغوط الأقران والتوقعات المجتمعية.
إنها تسلط الضوء على كيف يمكن للأدب أن يكون سنداً في تشكيل الهوية الفردية في وجه القوالب النمطية، وكيف يمنح الصوت لمن يشعرون بأنهم على الهامش.
**ما بين متعة القراءة وضغوط التعليم دفاع عن الشغف الشخصي**
لا تقتصر رؤية مانغان على الجانب الشخصي، بل
تمتد لتشمل الجانب المؤسسي وتأثيره على علاقتنا بالقراءة. بصفتها ناقدة مطلعة
وكاتبة مخضرمة، توجه مانغان نظرة نقدية إلى النظام التعليمي، وتحديداً مناهج شهادة
الإعدادية العامة (GCSE) في بريطانيا. تعرب عن قلق حقيقي
من أن أساليب التدريس المتبعة، التي قد تركز بشكل مفرط على التحليل الأدبي المفكك
والنقدي لأغراض الاختبار، قد تأتي على حساب المتعة الجوهرية للقراءة، بل وقد تنفّر
الطلاب من الكتب بدلاً من أن تغرس فيهم حباً دائماً لها.
هذا القلق يقودها إلى دفاع مستميت عن مفهوم "القراءة للمتعة الشخصية" (Reading for Pleasure). تتحدى مانغان النظرة المتعالية التي قد تصنف بعض أنواع الأدب على أنها
"سطحية" أو "أقل قيمة"، مؤكدة
- على أن القيمة الحقيقية للقراءة تكمن في الأثر الشخصي الذي تتركه في نفس القارئ، بغض النظر
- عن التصنيف الأكاديمي أو النقدي للكتاب. تستشهد برواية "لايس" (Lace) للكاتبة شيرلي كونران،
- التي صدرت عام 1982 واعتبرت حينها "جريئة ومثيرة للجدل"، كنموذج للأعمال التي قد توفر
- متعة خالصة وهروباً مؤقتاً، وهي وظائف لا تقل أهمية عن التحليل الفكري العميق.
وتعترف بانفتاح ساحر بأنها، حتى كشخص بالغ يعمل في مكتبة "ووترستونز" المرموقة، كانت تجد نفسها تنتظر بشغف صدور أجزاء جديدة من سلسلة "هاري بوتر" لجي كي رولينغ، تماماً مثل الأطفال المتحمسين.
هذا الاعتراف يكسر الحاجز المصطنع بين الأدب "الجاد" وأدب "الترفيه"،
ويؤكد على أن الشغف بالقراءة يمكن أن يتخذ أشكالاً متنوعة ومختلفة، وكلها تستحق
التقدير والاحترام. إنها تذكرنا بأن الدافع الأول للقراءة غالباً ما يكون البحث عن
المتعة، والانغماس، والاتصال العاطفي، وهذه الدوافع هي التي تبني علاقة مستدامة مع
عالم الكتب.
**الكتب كمرآة للحياة القراءة في محطات العمر المختلفة**
يتتبع الكتاب مسار القراءة عبر محطات الحياة المختلفة، مبيناً كيف تتغير علاقتنا بالكتب وتتطور احتياجاتنا القرائية مع تغير ظروفنا وتجاربنا. تتناول مانغان بلمسة من الفكاهة والصدق تجربة القراءة أثناء الحمل، متسائلة بظرافة عما إذا كانت هي الوحيدة التي تلقت نسخة من كتاب "ماذا تتوقعين عندما تكونين في انتظار مولود" (What to Expect When You’re Expecting) لتلقي به بعيداً بغضب!
هذا الموقف الطريف يفتح الباب للتفكير في كيف أن التوقعات المجتمعية أو الكتب "المفروضة" قد لا تتناسب دائماً مع احتياجاتنا العاطفية أو الفكرية الحقيقية في لحظة معينة. قد نبحث عن الإلهاء، أو الطمأنينة، أو ربما عن عوالم لا علاقة لها بواقعنا المباشر.
- ويصل بنا الكتاب إلى فترة الإغلاق التي فرضتها جائحة كورونا، وهي تجربة عالمية حديثة تركت
- أثراً عميقاً في نفوس الكثيرين. تلخص مانغان دور الكتب في تلك الفترة العصيبة بعبارة مؤثرة
- وموجزة: "عندما أنقذتني الكتب". هنا، يتجاوز الكتاب كونه مجرد وسيلة للترفيه ليصبح أداة للبقاء
- النفسي والعاطفي. في ظل العزلة والخوف وعدم اليقين، قدمت الكتب للكثيرين، ومن بينهم مانغان،
- سبيلاً للهروب، ومصدراً للمعرفة، ووسيلة للحفاظ على الاتصال الإنساني عبر القصص والتجارب
- المشتركة، وشعوراً بالروتين والنظام في عالم فوضوي. إنها شهادة قوية على القوة العلاجية للأدب
- وقدرته على أن يكون طوق نجاة في أحلك الظروف.
**الوتر الأكثر حساسية ذكريات الأب والكتب كإرث عاطفي**
رغم ثراء المواضيع التي يتناولها الكتاب، فإن
اللحظات الأكثر عمقاً وتأثيراً، كما تشير المراجعة الأصلية، تكمن في استرجاع
مانغان لذكرياتها مع والدها الراحل (الذي توفي في يناير 2023). تصف بحنان كيف كان
والدها يشتري لها كتبها المفضلة، محولاً فعل شراء الكتاب إلى لفتة حب واهتمام،
ورابطاً عاطفياً دائماً. هذه الذكريات تضفي على الكتاب بعداً إنسانياً مؤثراً
للغاية، وتذكرنا بأن حب القراءة غالباً ما يُغرس فينا من خلال الأشخاص الذين نهتم
بهم.
لا يعود الأمر مجرد شراء أغلفة ورقية، بل هو مشاركة في الشغف، واعتراف بأهمية العوالم الداخلية للطفل أو المراهق،
وبناء جسر من
التفاهم والتواصل عبر صفحات الكتب. يصبح الكتاب هنا رمزاً للعلاقة، وحاملاً
للذكريات، وإرثاً عاطفياً يتجاوز قيمة الورق والحبر. هذا الجانب من الكتاب يبرز
كيف أن القراءة ليست فعلاً منعزلاً، بل هي متشابكة بعمق مع علاقاتنا الإنسانية ومع
تاريخنا الشخصي والعائلي.
**خلاصة رسالة حب إلى عشاق القراءة**
في نهاية المطاف، يُعتبر كتاب "محبة الكتب: كيف تشكل القراءة حياتنا" بمثابة رسالة حب شغوفة ومخلصة موجهة إلى كل من يجد في الكتب صديقاً وملاذاً ومرشداً. تقدم لوسي مانغان، بأسلوبها الدافئ والجذاب الذي يمزج بين السيرة الذاتية والتأمل النقدي والفكاهة، احتفاءً صادقاً بالقوة التحويلية والعلاجية للأدب. إنها تذكرنا بأن الكتب ليست مجرد وسيلة لتزجية الوقت أو اكتساب المعرفة.
بل هي أدوات أساسية تساعدنا على فهم أنفسنا، والتواصل مع
الآخرين، والتنقل في تعقيدات الحياة، وتشكيل هويتنا بطرق قد لا ندركها دائماً.
من خلال مشاركة رحلتها الشخصية بكل صراحة وحميمية، تدعو مانغان القراء إلى التفكير في علاقاتهم الخاصة مع الكتب
وتقدير
الكنوز التي وجدوها بين السطور، والاعتراف بالدور الجوهري الذي تلعبه القراءة في
إثراء التجربة الإنسانية. إنه كتاب سيجد فيه كل "دودة كتب" صدىً عميقاً،
وسيُلهم ربما أولئك الذين ابتعدوا قليلاً عن عالم القراءة للعودة إلى أحضانها
الدافئة والمثرية. إنه تأكيد بليغ على أن سحر الكلمات المنقوشة لا يزال حياً
وقادراً على تشكيل حياتنا بأجمل الطرق وأكثرها عمقاً.
*(نُشر كتاب "محبة الكتب: كيف تشكل القراءة
حياتنا" لـ لوسي مانغان عن دار سكوير بيغ في 13 مارس 2025، بسعر 18.99 جنيه
استرليني).*
![]() |
لوسي مانغان |
كلمات مرتبطة بالموضوع
- مذكرات القراءة (Reading memoir)
- القراءة للمتعة (Reading for pleasure)
- القراءة العلاجية / القوة العلاجية للأدب (Therapeutic reading / Healing power of literature)
- العلاقة مع الكتب (Relationship with books)
- تجربة القراءة (Reading experience)
- القراءة والهوية (Reading and identity)
- كتب عن الكتب (Books about books)
- دودة الكتب (Bookworm - إشارة للكتاب السابق)
- ذكريات القراءة (Reading memories)
- القراءة في المراهقة (Teenage reading)
- القراءة والتعليم (Reading and education)
- مناهج التعليم البريطانية (British curriculum / GCSEs)
- القراءة أثناء الجائحة / الإغلاق (Reading during the pandemic / lockdown)
- القراءة والحمل (Reading and pregnancy)
- هاري بوتر (Harry Potter)
- شيرلي كونران / رواية لايس (Shirley Conran / Lace novel)
- القراءة والأسرة / ذكريات الأب (Reading and family / Father's memories)
- أهمية القراءة (Importance of reading)
- فوائد القراءة (Benefits of reading)
- تطوير الذات بالقراءة (Self-development through reading)
- كتب ملهمة (Inspirational books)
- ثقافة القراءة (Reading culture)